لم تعد القفزات القياسية في أسعار الذهب والفضة مجرد أخبار اقتصادية عابرة، ولا يمكن التعامل معها بوصفها موجة مضاربة مؤقتة سرعان ما تنحسر. ما نشهده اليوم هو تحوّل عميق في بنية الأسواق العالمية، وفي نظرة المستثمرين – أفرادًا ومؤسسات – إلى معنى الثروة، ومفهوم الأمان، وحدود الثقة في النظام النقدي الدولي.
عندما تتجاوز الفضة حاجز 65 دولارًا للأوقية للمرة الأولى في تاريخها، وعندما يقترب الذهب من مستويات كانت حتى وقت قريب تبدو خيالية، فإن السؤال لم يعد: لماذا ارتفعت الأسعار؟ بل: ماذا تغيّر في العالم حتى تصبح هذه الأسعار منطقية، وربما تمهيدية لما هو قادم؟
ما الذي تقوله لنا الفضة قبل الذهب؟
عادةً ما يتحرك الذهب في صدارة الاهتمام، لكن القفزة الأخيرة للفضة تستحق التوقف عندها طويلًا. فالفضة ليست مجرد “ذهب الفقراء” كما يُقال في الأدبيات القديمة، بل معدن مزدوج الطبيعة: استثماري وصناعي في آن واحد.
الارتفاع الحاد الذي تجاوز 115% منذ بداية العام لا يمكن تفسيره بعامل واحد. نعم، هناك مضاربة، لكن المضاربة وحدها لا ترفع سوقًا بهذا الحجم إلى مستويات تاريخية خلال فترة قصيرة. ما يحدث هو تراكب ثلاثة مسارات:
- ضعف الدولار وتوقعات خفض الفائدة الأميركية
بيانات العمل الأميركية الأخيرة، وارتفاع معدل البطالة، أعادا إحياء سيناريو التيسير النقدي. وكلما ضعفت العملة الأميركية، زادت جاذبية المعادن المقومة بها. - الطلب الصناعي المتنامي
الفضة تدخل في قلب التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، من الألواح الشمسية إلى السيارات الكهربائية. هذا الطلب ليس دوريًا، بل هيكليًا، ويزداد مع كل عام. - التحوّط من عدم اليقين
في عالم تتقاطع فيه أزمات الاقتصاد والسياسة والحرب، يبحث المستثمر عن أصول لا تعتمد على وعد حكومة أو قدرة بنك مركزي.
الفضة، بهذا المعنى، كانت أول من أطلق صافرة الإنذار: هناك خلل ما في النظام، والأسواق بدأت تستوعبه.
الذهب يعود إلى دوره الأصلي… بلا مواربة
الذهب لا “يرتفع” بالمعنى التقليدي. هو في كثير من الأحيان لا يفعل أكثر من كشف تراجع قيمة ما حوله. وعندما نرى الذهب يتضاعف خلال عامين، فإن الرسالة الأهم ليست في المعدن نفسه، بل في العملات، والديون، والسياسات التي تقف خلفها.
ما يميز هذه الدورة عن سابقاتها هو اتساع قاعدة الطلب بشكل غير مسبوق:
- البنوك المركزية لم تعد تشتري الذهب كتنويع شكلي، بل كخيار استراتيجي طويل الأمد.
- المستثمرون المؤسسيون عادوا بقوة، بعد سنوات من التردد.
- خزائن الشركات دخلت المشهد، بحثًا عن حماية نقدية في بيئة تضخمية.
- لاعبون جدد من عالم الأصول الرقمية، في مفارقة لافتة: العملات المشفرة تقود بعض المستثمرين للعودة إلى أقدم أصل نقدي في التاريخ.
هذا التنوع في الطلب هو ما يجعل الحديث عن “تصحيح كبير” أقل إقناعًا مما كان عليه في دورات سابقة.
السياسة النقدية… حين تفقد البوصلة
لا يمكن فصل صعود الذهب والفضة عن حالة الإرباك التي تعيشها البنوك المركزية الكبرى. الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، على وجه الخصوص، يجد نفسه بين مطرقة التضخم وسندان التباطؤ الاقتصادي.
الأسواق اليوم لا تسعّر فقط قرارات الفائدة المقبلة، بل تسعّر فقدان اليقين بشأن قدرة السياسة النقدية على ضبط الإيقاع. عندما تبدأ الشكوك حول استقلالية البنوك المركزية، أو حول خضوعها لضغوط سياسية ومالية، فإن الذهب يتحول تلقائيًا من أصل تحوطي إلى بديل نقدي.
وهنا تكمن خطورة المرحلة: الذهب لا ينافس الأسهم فقط، بل ينافس الثقة نفسها.
الجغرافيا السياسية تعود لاعبًا رئيسيًا
من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، ومن التوترات الأميركية الفنزويلية إلى صعود الحمائية التجارية، تتشكل خريطة عالمية أقل استقرارًا، وأكثر قابلية للصدمات.
التاريخ يقول لنا إن الذهب يزدهر في الفترات التي يتراجع فيها منطق “العولمة المستقرة”. وما نراه اليوم هو عودة صريحة لمنطق الكتل، والتحالفات الاقتصادية المغلقة، واستخدام العملة كسلاح سياسي.
في هذا السياق، يصبح الذهب لغة مشتركة بين الدول، وأداة تحوّط من العقوبات، وتقلبات سلاسل الإمداد، والصراعات طويلة الأمد.
لماذا تتغير معادلة العرض والطلب؟
على مستوى العرض، لا يشهد إنتاج الذهب والفضة طفرة حقيقية. مشاريع التعدين الجديدة تحتاج سنوات طويلة، وتكاليفها ترتفع، والقيود البيئية تتشدد.
في المقابل، الطلب يتحرك بسرعة أكبر، وبقواعد جديدة:
- الطلب الاستثماري لم يعد حكرًا على الغرب.
- آسيا، من الهند إلى الصين، تعيد اكتشاف الذهب، ليس كمجوهرات فقط، بل كأصل مالي.
- القنوات الرقمية سهّلت الوصول إلى الاستثمار في المعادن، ووسّعت قاعدة المشاركين.
هذه الفجوة بين عرض بطيء وطلب مرن هي ما يمنح الأسعار أرضية صلبة، حتى في حال حدوث تصحيحات مرحلية.
الذهب والعملات الرقمية… صراع أم تكامل؟
قد يبدو المشهد متناقضًا: في الوقت الذي ترتفع فيه أسعار الذهب، تستمر الأصول الرقمية في جذب الاهتمام. لكن الواقع أكثر تعقيدًا.
الذهب والعملات الرقمية لا يتنافسان دائمًا، بل يؤديان أدوارًا مختلفة في محافظ المستثمرين. اللافت أن بعض الجهات المرتبطة بالاقتصاد الرقمي بدأت بالفعل في تعزيز حيازاتها من الذهب، وكأنها تعترف ضمنيًا بأن المستقبل، مهما بلغ من رقمية، لا يستغني عن أصل مادي نهائي.
هذا التداخل بين “أقدم مال” و”أحدث مال” هو أحد ملامح المرحلة الانتقالية التي نعيشها.
هل نحن أمام فقاعة؟
السؤال مشروع، لكنه ربما مطروح بطريقة خاطئة. الفقاعة تعني انفصال السعر عن الواقع. أما في حالة الذهب والفضة، فإن الواقع نفسه هو الذي تغيّر.
نعم، قد نشهد تراجعات، وربما حادة، لكن الاتجاه العام تحكمه عوامل هيكلية لا يمكن تجاهلها:
- ديون سيادية متضخمة.
- عجز مالي مزمن في الاقتصادات الكبرى.
- تحوّل جيوسياسي طويل الأمد.
- إعادة تعريف لمعنى الاحتياطي الآمن.
في مثل هذه البيئة، يصبح الذهب ليس خيارًا مضاربيًا، بل مكوّنًا استراتيجيًا.
ما الذي يعنيه هذا للمستثمر العربي؟
بالنسبة للمستثمر في منطقتنا، لا يمكن قراءة هذه التطورات بمعزل عن:
- تقلبات العملات المحلية.
- ارتباط كثير من الاقتصادات بالدولار.
- حساسية المنطقة للتوترات الجيوسياسية.
الذهب والفضة، هنا، لا يمثلان فقط فرصة ربح، بل أداة توازن. لكن الفارق الحقيقي سيكون في الانضباط: الاستثمار المرحلي، تنويع نقاط الدخول، وعدم الانسياق وراء الذروة الإعلامية.
إلى أين نتجه؟
التوقعات التي تتحدث عن 5,000 دولار للأونصة خلال العامين المقبلين لم تعد هامشية. لكنها، في جوهرها، ليست نبوءة سعر، بل قراءة لمسار عالمي يتغير ببطء، وبعمق.
قد لا يصل الذهب إلى هذه المستويات في خط مستقيم، وقد تسبقها عواصف وتصحيحات، لكن ما يبدو واضحًا هو أن عصر الأسعار “المنخفضة نسبيًا” قد أصبح خلفنا.
حين تتكلم المعادن… أنصت جيدًا
في لحظات التحول الكبرى، لا ترفع الأسواق لافتات تحذير واضحة. لكنها تترك إشارات. والذهب والفضة اليوم هما من أعلى هذه الإشارات صوتًا.
ليس المطلوب أن يتحول الجميع إلى منقبين عن الذهب، ولا أن تُبنى القرارات على الخوف. المطلوب فقط أن نقرأ المشهد كما هو: عالم أقل يقينًا، وأكثر هشاشة، يبحث فيه رأس المال عن ملاذات لا تخضع لتغريدة، ولا لقرار طارئ.
حين تقفز الفضة بهذه الجرأة، ويصمد الذهب بهذا الثبات، فالأرجح أننا لا نشهد ذروة… بل بداية مرحلة جديدة، سيكون عنوانها الأبرز: إعادة تسعير الثقة.