غير مصنف

هل بدأ العد التنازلي لنهاية هيمنة الدولار؟

الشرارة – عندما يصطدم البيت الأبيض بالمؤسسة الأكثر “قداسة” في الاقتصاد الأميركي

في صباح خريفي هادئ بواشنطن، وقف دونالد ترامب في حديقة الورود الشهيرة، ممسكًا بأوراق بيضاء، وبنبرة حاسمة قال: إن الفيدرالي الأميركي أصبح عائقًا أمام النمو الاقتصادي… ويجب تغييره.”

لم تكن هذه الجملة مجرد اعتراض عابر على رفع أسعار الفائدة. بل كانت، وفق توصيف كثير من الخبراء، إعلان حرب غير تقليدية على أحد أعمدة الاستقرار المالي العالمي: الاحتياطي الفيدرالي الأميركي.

ترامب، الذي عاد إلى المكتب البيضاوي مدفوعًا بجمهور متعطش لاقتصاد قوي وضرائب منخفضة، بدأ معركته مع “الفيدرالي” من باب اقتصادي، لكنه سرعان ما فتح الأبواب الخلفية لنزاع مؤسساتي يشبه ما تسميه الدساتير “خلل التوازن الدستوري”.

لعبة السيطرة… أم انشقاق داخل النظام الأميركي؟

منذ الحرب العالمية الثانية، لم تتعرض استقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي لهذا النوع من التهديد. فالمؤسسة التي تأسست عام 1913، كانت مصممة لتكون عصيّة على النزعات السياسية. إلا أن ترامب – بأسلوبه المثير للجدل – حاول تفكيك هذه القاعدة.

وفق مصادر مطلعة في واشنطن، لم يكن ترامب راضيًا عن أداء رئيس الفيدرالي “جيروم باول”، وذهب إلى حد وصفه بأنه “لا يفهم السوق”، بعد أن رفض خفض الفائدة كما أراد الرئيس.

لكن خلف الكواليس، تكشف الوثائق أن الأمر أعمق من مجرد خلاف على السياسات النقدية:

  • الرئيس ضغط لتعيين شخصيات موالية له داخل لجنة السوق المفتوحة.
  • تداول إعلاميون مطلعون معلومات عن مسودة مرسوم رئاسي يتيح للرئيس التدخل في قرارات الفيدرالي خلال “الظروف الاستثنائية”.

ما بدا خلافًا في البداية، تحوّل إلى صراع على روح النظام المالي الأميركي.

الدولار… العملة التي بنت إمبراطورية

لفهم خطورة ما يجري، لا بد من التوقف عند دور الدولار نفسه.

منذ اتفاقية “بريتون وودز”، أصبح الدولار هو العمود الفقري للنظام المالي العالمي. 60% من احتياطات البنوك المركزية في العالم بالدولار. أكثر من 80% من التجارة العالمية تُسعّر به. إنه ليس مجرد عملة، بل هو أداة قوة ناعمة وإكراه صلب في آنٍ واحد.

لكن ما يحدث اليوم، يُنبئ – وفق تعبير محلل روسي – بـ”نزع القداسة” عن الدولار، بسبب:

  • تراجع الثقة المؤسسية الأميركية
  • تسييس القرار النقدي
  • تفاقم الدين العام الأميركي (أكثر من 35 تريليون دولار)

هذه العوامل مجتمعة، ترسل إشارات سلبية إلى الأسواق العالمية.

ردود الفعل… العالم بدأ يستعد لـ”ما بعد الدولار

بينما كان ترامب يصعّد، كانت العواصم الكبرى تستشعر التغيير.
في بكين، أُعلن عن صفقة ضخمة بين الصين والبرازيل لتسوية الصادرات باليوان والريال.
في موسكو، دعت الحكومة إلى إنشاء “مجموعة تفكير نقدي” لدراسة البدائل عن الدولار في التجارة بين دول بريكس.

أما في بروكسل، فقد قدّمت المفوضية الأوروبية تقريرًا غير مسبوق إلى البرلمان يدعو إلى تعزيز استقلالية اليورو عن السياسات الأميركية. وجاء في التقرير: الاعتماد المفرط على الدولار، في ظل تقلبات واشنطن السياسية، يعرّض سيادتنا الاقتصادية للخطر.”

الدول النامية لم تتأخر، إذ عقدت نيجيريا وماليزيا وجنوب إفريقيا منتدى لتفعيل سلة عملات رقمية مدعومة بالذهب، وسط ترحيب من أسواق ناشئة مثل فنزويلا وأندونيسيا.

 الانعكاسات الخطرة… هل تسقط قلعة الدولار من الداخل؟

من بين الملفات التي يخشاها كبار المستثمرين، ليس فقط سلوك ترامب، بل ما يسميه الاقتصاديون بـ”الارتداد الداخلي”.

  • تخفيض الثقة بالمؤسسات المالية الأميركية قد يؤدي إلى تراجع الطلب على سندات الخزينة.
  • في حال ارتفعت تكلفة الدين الأميركي، سيضطر الفيدرالي إلى رفع الفائدة – ما يعيد شبح أزمة 2008.
  • قد يؤدي الانسحاب العالمي التدريجي من الدولار إلى انهيار مفاجئ في الطلب العالمي عليه.

بعبارة أوضح: إذا اهتزّ الدولار، فإن الأسواق العالمية قد تواجه زلزالًا شبيهًا بما حدث في انهيار ليمان براذرز، ولكن على نطاق دولي.

سيناريوهات محتملة… والعالم يقف على الحافة

الخبراء يرسمون ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل النظام المالي العالمي:

  1. استمرار التصعيد: إذا واصل ترامب التدخل في سياسات الفيدرالي، فقد يتراجع الدولار تدريجيًا من موقعه المهيمن، وتدخل المؤسسات الأميركية في دوامة فقدان المصداقية.
  2. تسوية مؤقتة: قد يضطر الفيدرالي إلى تقديم تنازلات للحفاظ على استقراره، مع تحرك الكونغرس لتمرير قوانين تقيّد تدخل الرئاسة في السياسة النقدية.
  3. انهيار النموذج وبناء نظام بديل: تقوده دول “البريكس” ودول جنوب الكرة الأرضية، عبر إطلاق منصة رقمية نقدية تعتمد على سلة عملات محلية أو الذهب أو حتى الذكاء الاصطناعي.

 ما دور العالم العربي في هذه اللحظة التاريخية؟

من الخليج إلى شمال إفريقيا، يراقب العالم العربي بحذر هذه التحولات.

  • دول الخليج بدأت بمراجعة سلة احتياطاتها، حيث تتزايد الأصوات المطالبة بتنويع الأصول بعيدًا عن الدولار.
  • البنك المركزي المصري أطلق منصة رقمية لتسوية جزء من التجارة مع الصين والهند بالعملات المحلية.
  • المغرب والجزائر أظهرا اهتمامًا بمبادرات البلوكشين في التسويات التجارية مع شركاء أفارقة.

لكن التحدي الأكبر يبقى: كيف يمكن للدول العربية أن تبني استقلالًا نقديًا دون المخاطرة بانهيار السيولة؟

التوصيات – خارطة طريق من أجل سيادة مالية حقيقية

  1. تنويع الاحتياطات السيادية: من خلال مزج الدولار بالذهب، والعملات الرقمية السيادية، وسلة من العملات الآسيوية.
  2. إصلاح النظم المصرفية المحلية: للتحول إلى الاقتصاد الرقمي، والحد من الاعتماد على التحويلات التقليدية.
  3. تعزيز الشفافية وحوكمة البنوك المركزية: لحماية استقلالية القرارات النقدية من أي تأثيرات سياسية داخلية أو خارجية.
  4. بناء شراكات جديدة خارج الإطار الغربي التقليدي: من خلال تبادل العملات الثنائية أو ثلاثية بين الأسواق الصاعدة.

حين تسقط الثقة، لا يعود للهيمنة معنى

ليس المهم إن كان ترامب سيفوز بحربه ضد الفيدرالي. بل الأهم هو أن هذه المعركة قد فجّرت تساؤلات كانت مستترة لعقود.

  • لماذا نثق بالدولار؟
  • من يضمن أن السياسة النقدية الأميركية لن تُستغل لأهداف سياسية؟
  • وهل هناك فعلاً “بديل آمن” يمكن أن يصمد عالميًا؟

في لحظة نادرة من تاريخ الاقتصاد العالمي، أصبح من الممكن – وربما من الضروري – أن نتخيل عالماً بلا دولار مهيمن.
وإذا كان التاريخ يعلمنا شيئًا، فهو أن الإمبراطوريات لا تسقط من الخارج، بل من الداخل.

 

الاشتراك في خدمات شركة أمواج كابيتال

إذا كنت ترغب في الاستفادة من التقلبات الاقتصادية في الأسواق العالمية، يمكنك الآن
فتح حساب في شركة أمواج كابيتال من هنا.

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *