غير مصنف

الذهب في قلب الاستراتيجية: لماذا تتسارع مشتريات البنوك المركزية؟

لقد دخلنا، دون أن نحتفل كثيراً، مرحلة تحوُّل في المشهد النقدي العالمي والعلاقة بين الدول والعملات والاحتياطيات. معدِّنٌ ثمين كالذهب ليس مجرّد سلعة استهلاكية أو زخرفية، بل صار في مقاعد القيادة — وأعني بذلك احتياطي المخاطر، خصماً للدولار، ورافعة استراتيجية بين البنوك المركزية.

من «حيازة تقليدية» إلى «استراتيجية نشطة»

لطالما كانت احتياطات الذهب لدى البنوك المركزية مسألة من بقايا الحقبة ما بعد بريتون وودز — مخزوناً للاستقرار، لكن ليس في دائرة اتخاذ القرار الاستراتيجي اللحظي. اليوم، تبدو الصورة مختلفة. وفق بيانات World Gold Council، يتوقع 95% من البنوك المركزية زيادة احتياطياتها الذهبية خلال الاثني عشر شهراً المقبلة. (World Gold Council)
هذه نسبة تعكس تغييراً في العقلية: الذهب ليس «شاهدَاً» على الاحتياطيات، بل جزءٌ من التخطيط النشط لمواجهة المخاطر الاقتصادية والجيوسياسية.

على سبيل المثال، في الربع الأول من عام 2025، أضافت البنوك المركزية 244 طناً من الذهب إلى احتياطياتها. (World Gold Council) رغم أن الرقم أقل من بعض الأرقام الأخيرة، فهو أعلى من متوسطّات ما قبل حقبة الشراء المفرط.

ما الذي يدفع إلى هذا الاستنفار؟

أ) تراجع ثقة الدول بالدولار و«الأنظمة التقليدية»

أظهرت استطلاعاً ضخماً أن ما يقارب 73% من البنوك المركزية تتوقع انخفاضاً في حصة الدولار ضمن احتياطياتها خلال الخمس سنوات المقبلة، مع ارتفاع بدائل مثل اليورو أو اليوان أو الذهب. (World Gold Council)
هذا الانزياح ليس فقط لضعف الدولار، بل نتيجة تراكمات: الدين الأميركي، سياسة الفائدة، الرغبة في تنويع الاحتياطات، والمخاطر الناتجة عن العقوبات أو التوترات الجيوسياسية.

ب) التضخم والاضطرابات الاقتصادية

عندما تشقّ الأسعار طريقها للأعلى، وعندما يبدو أن البنك المركزي الأميركي (Federal Reserve) أو أي بنك كبير قد يضطر لتخفيض الفائدة أو إطلاق سياسات نقدية استثنائية، يصبح الذهب أكثر جاذبية كـ «تأمين» من الانزلاق النقدي.
وفق التوصيات، يتوقع أن يصل سعر الأونصة إلى نحو 3 675 دولاراً بنهاية 2025، وفق بنك J.P. Morgan Research، بدعم من حجم مشتريات البنوك المركزية. (JPMorgan)

ج) جغرافيا المخاطر والجيوسياسات

الأزمات، سواء كانت حرباً أو عقوبات أو اضطرابات اقتصادية، تحفّز الحاجة إلى «أصول لا تعتمد على الطرف المقابل». الذهب بهذه الحالة يلعب دوراً فريداً. ورغم أن بعض البنوك المركزية خفّفت وتيرة الشراء حين بلغ السعر مستويات قياسية، فـ «تراجع الشراء» لا يعني توقفه؛ فقط ضبط الإيقاع. (World Gold Council)

ماذا تقول الأرقام؟ (نظرة تحليلية)

  • من 2022 إلى 2024 اشترت البنوك المركزية أكثر من 1 000 طن سنوياً — رقم قياسي مقارنة بما كان عليه الحال في العقد السابق. (Visual Capitalist)
  • في الأشهر الأولى من 2025، لازالت مشتريات الذهب قائمة بثبات في العديد من الدول، وإن كانت أقل من ذروة وتيرة الشراء السابقة. مثلاً، في شهر أبريل 2025 تم شراء 12 طناً فقط بين البنوك التي أعلنت صفقات. (World Gold Council)
  • في أغسطس 2025، ارتفعت المشتريات مجدداً: أضافت البنوك المركزية 19 طناً في ذلك الشهر وفق بيانات رسمية. (World Gold Council)
  • أحد أبرز المشتريين في النصف الأول من 2025 هي National Bank of Poland بإضافة نحو 67 طناً حتى منتصف العام. (World Gold Council)

من هذا يمكن استنتاج أن «زخم الشراء» لم يتوقف، وأن الذهب بات جزءاً من استراتيجية احتياطية طويلة الأمد، وليس فقط رد فعل للمخاطر الآنية.

كيف يتشكل المشهد الاستراتيجي؟

تحديد موقع الذهب ضمن الاحتياطي

  • الذهب ليس بديلاً عن الدولار أو اليورو، بل تكميلي لهما.
  • البنوك المركزية تنظر إلى الذهب كأداة لتخفيض التعرض للعملة الأميركية، وموازنة المخاطر المرتبطة بأساليب التقلبات العالمية.
  • التخزين والمناطق: هنالك ارتفاع بارز في عدد البنوك التي تعيد الذهب المخزّن في الخارج إلى الداخل أو تزيد نسبة التخزين المحلي. (World Gold Council)

توقيت الدخول

  • رغم أن ارتفاع السعر يُعدّ عاملاً مقيداً، إلا أن البنوك المركزية تميل إلى الشراء عندما يقلّ سعر الفائدة الحقيقية أو حين تتزايد المخاطر. (World Gold Council)
  • في المقابل، قد تتراجع وتيرة الشراء إن صعد السعر كثيراً أو عاد الدولار إلى قوة واضحة. هذا لا يلغي الاستراتيجية، بل يُعدّلها.

انعكاسات على السوق الكلية والمستثمرين

أ) دعم للأسعار

شراء البنوك المركزية على هذا النحو يشكّل دعماً للسعر، لأنه يرفع الطلب «الرسمي» على سبائك الذهب ويخفض العرض المتاح للمضاربة القصيرة الأجل. بحسب تحليل وزارة البيانات، فإنه خلال التسعة أشهر الأخيرة ارتفع الطلب الرسمي بنحو 24% عن المتوسط. (World Gold Council)

ب) إعادة تقييم الأصول

  • الذهب، الذي لا يُدرّ عائداً دورياً، يستفيد بيئة الفائدة المنخفضة أو المتراجعة.
  • المستثمر العادي أو الصندوق يجب أن يُعيد النظر في تخصيص الذهب ضمن محفظته ليس كجزء تكميلي طفيف، بل كوسيلة تحوط نشطة.
  • كما أن تنامي استثمارات البنوك المركزية يعطي إشارة بأن الذهب لن يكون «أداة مؤقتة» بل «جزء من النظام».

ج) السياق الأوسع: العملات والاحتياطات

  • بزيادة حصة الذهب وبدائل العملات، يمكن أن نشهد في السنوات المقبلة تحولات في «هيكل الاحتياطي العالمي».
  • الدول ذات الديون الأميركية الكبيرة أو التي تواجه عقوبات ترى في الذهب ملاذاً مستقلاً عن النظام المالي الأميركي.

ماذا يمكن أن يحدث بعد؟ (فرضيات مؤثرة)

  • إن خفّضت البنوك المركزية الكبرى، أو تغيّرت سياسة الفائدة الأميركية فجأة إلى «رفع» بدلاً من «خفض» فربما يُواجه الذهب ضغطاً نزولياً.
  • لكن، إن استمرت أحداث جيوسياسية أو تراجع الثقة بالدولار أو ارتفاع التضخم، فسيبقى الذهب ضمن «طريقة لعب مفضلة» لدى البنوك المركزية والدول.
  • وتوقعات السعر تعكس ذلك؛ بنك UBS رفع هدفه لسعر الأونصة إلى نحو 3 800 دولار مع نهاية 2025. (Reuters)

توصيات استراتيجية للمهتمّين (بنك مركزي–مستثمر–طالب فهم)

  • إذا كنت جهة رسمية (بنك مركزي أو صندوق سيادي): فكر في الذهب ليس كجزء من «ما تبقى» في الاحتياطيات، بل كـ «حجيرة استقرار» نشطة وكمكوّن من تنوّع الأصول. راقب نسبة الاحتياطات التي تكون مخصصة للذهب مقارنة بالعملات الأجنبية.
  • إذا كنت مستثمراً: لا تنتظر أن الذهب يصعد بلا توقف؛ اعتبره أداة لتحمّل المخاطر وللتوازن، وليس رهانا فحسب. راقب السياسات النقدية، حركة الدولار، والتوترات الجيوسياسية.
  • إذا كنت صحفيًا أو محللاً: افهم أن المشتركات الجديدة في الطلب (بنوك مركزية، دول ناشئة) تغيّر «من يحتاج الذهب ولماذا» — ليس فقط كمجوهرات أو كأداة تقليدية، بل كأصل استراتيجي.

هذا العالم المضطرب

في هذا العالم المضطرب الذي تكثر فيه المتغيّرات (سياسات نقدية غير تقليدية، ديون ضخمة، تحولات في موازين القوى، ابتعاد عن الدولار)، يظهر الذهب من جديد كخيار ليس فقط للمواطن الفرد أو المستثمر الجزئي، بل للدولة نفسها.
ما تفعله اليوم البنوك المركزية من شراء واستباق، ليس مجرّد ردة فعل، بل إعلانٌ ضمني بأن النظام المالي العالمي قد يكون على مشارف تغيير، وأن الذهب هو أحد الرموز التي تعبّر عن ذلك.
ولأننا في هذه الجريدة نحرص على النظر إلى ما وراء الأرقام، نرى أن الذهب اليوم ليس «أسفل الرف» بل «أعلى القائمة».
إنّه وقت وضع استراتيجية، وليس فقط مراقبة الأسعار.

الاشتراك في خدمات شركة أمواج كابيتال

إذا كنت ترغب في الاستفادة من التقلبات الاقتصادية في الأسواق العالمية، يمكنك الآن
فتح حساب في شركة أمواج كابيتال من هنا.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *