غير مصنف

مئة يوم هزّت النظام العالمي: عودة ترامب بلا قيود

مقدمة: عودة لم تكن كسابقاتها

لم تمرّ عودة دونالد ترامب إلى سدة الحكم مرور الكرام. فبعد سنوات من الانقسام السياسي الداخلي والاضطراب العالمي، عاد الرجل الذي غيّر قواعد اللعبة السياسية في ولايته الأولى، ليبدأ ولايته الثانية بلا حواجز مؤسساتية ولا قيود حزبية تردعه. خلال 100 يوم فقط، استطاع ترامب أن يعيد تشكيل ملامح السياسة الدولية، محدثًا زلزالًا جيوسياسيًا لم تشهد له الساحة العالمية مثيلًا منذ نهاية الحرب الباردة.

أولى الخطوات: اقتصاد العدوان السياسي

في الأيام الأولى، عاد ترامب سريعًا إلى أدواته المفضلة: الرسوم الجمركية. فرض حزمًا واسعة من الضرائب التجارية على واردات رئيسية من شركاء تاريخيين للولايات المتحدة، من كندا وألمانيا وصولًا إلى كوريا الجنوبية. لم تكن هذه مجرد خطوات اقتصادية، بل رسائل سياسية واضحة: “التحالف لا يعني الامتياز، والمصلحة الأميركية أولًا”.

تسبب ذلك في اضطراب الأسواق العالمية، وتراجع في أداء الدولار، وبدأت التحذيرات تتوالى من احتمالات تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي وحتى الركود. وبذلك، زرع ترامب أول بذور الشك في مصداقية الدور القيادي الأميركي للنظام الاقتصادي العالمي.

إعادة تشكيل التحالفات: من الناتو إلى المحيط الهادئ

كان حلف شمال الأطلسي (الناتو) من أوائل ضحايا سياسة “أميركا أولاً” بنسختها الثانية. أطلق ترامب تصريحات عدائية تجاه الحلف، مشككًا في فائدته ومُحمّلًا أوروبا فاتورة الحماية العسكرية. النتيجة كانت تحركات أوروبية سريعة لتقوية البنية الدفاعية الذاتية، وزيادة الاستقلال الاستراتيجي عن واشنطن.

في المحيط الهادئ، أربك ترامب حلفاءه من خلال تهديدات بسحب القوات الأميركية من كوريا الجنوبية واليابان، وفرضه رسومًا غير متوقعة على منتجات صناعية حساسة. شعرت طوكيو وسول بالخذلان، وبدأتا البحث عن بدائل أمنية، وربما نووية.

تبنّي الرواية الروسية: انقلاب على التقاليد الأميركية

في تحوّل غير مسبوق في السياسة الأميركية، بدا ترامب ميّالًا إلى تبنّي السردية الروسية بشأن الحرب في أوكرانيا. وخلال لقاء محتدم مع الرئيس الأوكراني زيلينسكي في المكتب البيضاوي، أبدى ترامب موقفًا أكثر تعاطفًا مع موسكو، مما أثار دهشة واستياء الحلفاء الأوروبيين.

هذا التبدل أضعف موقف أوكرانيا دوليًا، وأثار مخاوف من أن ترامب قد يدفع كييف لقبول خسائر إقليمية لصالح السلام – سلامٌ يرى فيه منتقدوه خضوعًا لإرادة بوتين أكثر مما هو مصلحة أميركية عليا.

الداخل الأميركي: ديمقراطية تحت الضغط

في المئة يوم الأولى، وجّه ترامب ضربات متتالية لما تبقى من مؤسسات رقابية داخلية. من الهجوم العلني على القضاة، إلى التلويح بسلطات تنفيذية واسعة تتجاوز الكونغرس، وحتى ترحيل المهاجرين إلى سجون خارجية – كانت الرسالة واضحة: لا تسامح، ولا عودة إلى “الضعف الليبرالي”.

حتى الجامعات لم تسلم، إذ واجهت ضغوطًا تمويلية وإدارية لتقييد حرية التعبير، وسط تحذيرات من منظمات حقوقية بأن الولايات المتحدة بدأت تفقد بريقها كمنارة ديمقراطية في العالم.

الحلفاء يعيدون التموضع

رد الفعل الدولي لم يتأخر. بدأت دول كبرى كألمانيا وفرنسا وإيطاليا بالفعل في تطوير صناعاتها الدفاعية بعيدًا عن السلاح الأميركي، وأطلق الاتحاد الأوروبي خططًا احتياطية لمواجهة أي انهيار محتمل في الشراكة مع واشنطن.

كندا، من جهتها، قررت تعزيز تحالفاتها مع أوروبا في مجالي التجارة والأمن، بينما بدأت دول أميركا اللاتينية البحث عن شراكات جديدة مع الصين والهند.

الصين تملأ الفراغ

في ظل هذه التحولات، صعدت الصين كبديل محتمل. استضافت بكين لقاءات رفيعة المستوى مع قادة أوروبيين وآسيويين، وقدّمت نفسها كقوة دولية أكثر استقرارًا وعقلانية. عرضت تسهيلات تجارية، ومبادرات تنموية، وبدائل للمساعدات التي أوقفتها واشنطن.

وهكذا، فإن كل فراغ تخلّفه سياسات ترامب، تجد الصين فيه فرصة للتقدم.

كيف يرى العالم ترامب؟

استطلاع رأي أجرته “رويترز/إبسوس” أظهر أن أكثر من نصف الأميركيين، بما في ذلك نسبة من الجمهوريين، يعتبرون ترامب “مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بروسيا”. كما عبّر العديد من المواطنين عن قلقهم من برنامجه التوسعي غير الواضح.

دبلوماسيون غربيون وصفوا الوضع بأنه “غير مستقر”، فيما عبّر المستشار الألماني الجديد فريدريش ميرتس عن خشيته من أن يتحول شعار “أميركا أولاً” إلى “أميركا وحدها”، ما قد يعني، حسب تعبيره، “مرحلة ما قبل الكارثة” لأوروبا.

إلى أين نتجه؟

المحللون منقسمون: فبينما يرى البعض أن إصلاح العلاقات لا يزال ممكنًا إن تم احتواء سياسات ترامب، يُجمع آخرون على أن النظام العالمي كما نعرفه في طريقه إلى التغيير الجذري. بل إن بعض الدول بدأت بالفعل في كتابة معادلات دولية جديدة تتجاوز واشنطن.

زمن السيولة الجيوسياسية

ربما لم يسبق أن امتلك رئيس أميركي كل هذا التأثير خلال 100 يوم فقط. لكن ترامب ليس رئيسًا تقليديًا، بل رجل أعمال يرى العالم كسوق للمساومة والمكاسب. هذا النهج، وإن جلب بعض الفوائد الظرفية لأميركا، إلا أنه كسر الكثير من الأسس التي بني عليها النظام العالمي الحديث.

يبقى السؤال الأهم: هل نحن أمام اضطراب مؤقت؟ أم بداية لنظام دولي جديد لا تكون فيه أميركا القائد، بل مجرد طرف بين أقطاب عدة؟ الجواب لا يزال رهن الأيام القادمة، لكن الأكيد أن ما قبل هذه المئة يوم ليس كما بعدها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *