في كل مرة تُقرع فيها أجراس التعريفات الجمركية في واشنطن، يهتزّ العالم الاقتصادي من أقصاه إلى أقصاه. ومنذ أن عادت إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب إلى واجهة المشهد السياسي، بدا أن سياسات الانغلاق التجاري لم تكن مرحلة عابرة بقدر ما هي عقيدة متجذرة تستأنف دورة جديدة من الضغوط الاقتصادية العابرة للحدود.
اليوم، ونحن في قلب عام 2025، تتكاثف التحذيرات من أبرز العقول الاقتصادية في الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، وتنذر بسيناريو قاتم تعود فيه الرسوم الجمركية إلى لعب دور القاطرة التي تجر الاقتصاد نحو الركود.
عندما يتحدث الكبار في الفيدرالي… يجب أن نصغي
في الأيام القليلة الماضية، خرج اثنان من أبرز أعضاء مجلس الاحتياطي الفيدرالي – جون ويليامز، رئيس فرع نيويورك، وتوماس باركين، رئيس فرع ريتشموند – ليطلقا رسائل واضحة لا لبس فيها: الرسوم الجمركية لم تعد مجرد أداة سياسية، بل تحوّلت إلى تهديد بنيوي حقيقي للاستقرار الاقتصادي.
ويليامز لم يُخفِ تشاؤمه حين قال إن النمو الاقتصادي هذا العام سيكون “أبطأ بكثير” مما كان عليه في العام الماضي، في ظل تصاعد الضغوط التضخمية وارتفاع معدلات البطالة. وحذّر من أن السياسة التجارية الحالية تزيد من المخاطر السلبية على الاقتصاد الأميركي، وهي إشارات لا تأتي من الهامش بل من صميم التقديرات الرسمية لأقوى بنك مركزي في العالم.
أما باركين، فذهب أبعد من ذلك. إذ وصف الرسوم الجمركية التي أعيد فرضها في عهد ترامب بأنها “غير مسبوقة في العصر الحديث”، مشيرًا إلى أنها تؤثر سلبًا على سلاسل التوريد وتكاليف الإنتاج وثقة الأسواق، بل وقد تجرّ الاقتصاد العالمي كله إلى حالة من الانكماش الممتد.
من الأدوات إلى القيود: التحول في وظيفة الرسوم
لطالما كانت الرسوم الجمركية أداة سيادية تملكها الدول للدفاع عن مصالحها الاقتصادية. لكن منذ دخول الولايات المتحدة حقبة الحرب التجارية المفتوحة مع الصين، تحوّلت هذه الرسوم من أداة دفاعية إلى عبء اقتصادي صريح.
تُظهر بيانات جامعة ييل، في أحدث تقاريرها، أن مجمل الرسوم الجمركية المفروضة من إدارة ترامب، إذا استمرت في مسارها التصاعدي، قد تؤدي إلى انخفاض بنسبة 0.9 نقطة مئوية في نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي خلال هذا العام وحده. وهو انخفاض لا يُستهان به في اقتصاد بحجم الولايات المتحدة، ناهيك عن آثاره العالمية الممتدة.
هذا التراجع الاقتصادي لا يقف عند حدود النمو، بل يمتد إلى القدرة الشرائية للأسر، التي ستتراجع بمعدل 3,800 دولار سنويًا بسبب ارتفاع الأسعار، وفق التقديرات نفسها. وهذا يعني عمليًا أن كل أسرة أمريكية ستدفع ضريبة خفية للسياسات الحمائية.
التعريفات تصنع التضخم… والبنك المركزي في الزاوية
يُجمع خبراء السياسة النقدية على أن الرسوم الجمركية تخلق ضغطًا تضخميًا يصعب على الاحتياطي الفيدرالي احتواؤه دون الدخول في دورة تشديد نقدي جديدة. التضخم المستورد الناتج عن ارتفاع أسعار السلع الأجنبية قد يدفع الفيدرالي لرفع أسعار الفائدة مجددًا، رغم التباطؤ الاقتصادي، وهي معادلة قاتلة لأية محاولة إنعاش.
إن الفيدرالي، بحسب تصريحات باركين، لا يزال يرى أن الاقتصاد الأمريكي “في وضع قوي نسبيًا”، لكن ذلك لا يعني أنه محصن من آثار السياسات التجارية التي وصفها بأنها تزيد حالة عدم اليقين وتضعف ثقة المستهلكين والشركات.
وهنا، يظهر التناقض المرير: البنك المركزي يسعى إلى استقرار الأسعار وتخفيف البطالة، بينما السياسة التجارية تضرب بكلتا المهمتين في الصميم.
الاقتصاد العالمي… في مرمى نيران السياسة
الرسوم الجمركية الأمريكية لا تؤثر في الداخل فقط. فمع كل إعلان جديد عن تعريفات، ترتعد أسواق آسيا، وتفقد بورصات أوروبا توازنها، وتتكثف اضطرابات سلاسل التوريد الممتدة من فيتنام إلى ألمانيا.
مؤشر حجوزات الحاويات البحرية من الصين إلى الولايات المتحدة انخفض بنسبة 64% خلال الربع الأول من هذا العام، في إشارة صارخة إلى تباطؤ حاد في التدفقات التجارية العالمية.
ولا يخفى أن ذلك يهدد قطاعات مثل الأدوية والإلكترونيات والمنتجات الاستهلاكية بالاختناق، نتيجة ارتفاع الكلفة وتأخر التسليمات وتضاؤل حجم الواردات.
وهذا ما دفع الاقتصاديين في وول ستريت إلى التحذير من دخول العالم في “ركود تجاري” حقيقي، تعود فيه الاقتصادات الكبرى إلى انكماش يتغذى من الحذر الاستثماري، وتراجع الثقة، وتعقيدات السياسة النقدية.
أين التنسيق؟ سؤال المرحلة الكبرى
ربما كانت النقطة الأكثر أهمية في حديث باركين هي تلك التي تتعلق بغياب التنسيق بين السياسات النقدية والتجارية. فبينما يتحرك الفيدرالي لمحاولة الحفاظ على توازن دقيق في أسعار الفائدة والتضخم، تُلقي السياسة التجارية بمزيد من الزيت على نار الأسعار.
وقد لفت باركين إلى أن هذه الفجوة في التنسيق قد تؤدي إلى تحركات “أكثر صرامة” من الفيدرالي مستقبلًا، إذا ارتفعت الأسعار بمعدلات تفوق المتوقع، ما يعني أن موجة رفع أسعار الفائدة لم تنتهِ بعد، وأن الأسواق قد تكون بصدد مفاجآت جديدة.
دروس من الماضي القريب
لسنا بحاجة إلى العودة عقودًا لفهم ما يحدث. فحرب الرسوم الجمركية التي خاضتها إدارة ترامب في 2018–2020 مع الصين أثبتت أنها لم تحقق المكاسب الموعودة، بل زادت من عجز الميزان التجاري، ورفعت أسعار السلع الاستهلاكية، ولم تفضِ إلى عودة حقيقية للوظائف الصناعية إلى الداخل الأمريكي.
بل على العكس، دفعت العديد من الشركات لنقل مصانعها إلى دول أخرى مثل فيتنام والمكسيك، في محاولة لتفادي الرسوم، وهو ما قاد إلى إعادة تشكيل معقّدة وغير مستقرة لسلاسل التوريد العالمية.
ما العمل؟
إن الولايات المتحدة، ومعها العالم، تقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم: إما أن تعود إلى طاولة التفاوض وتعيد النظر في سياساتها التجارية وفق معايير اقتصادية لا سياسية، أو أن تسير في طريق قد يؤدي إلى عزل نفسها اقتصاديًا، وتحويل مكاسب العولمة إلى رماد.
والمطلوب ليس فقط مراجعة الرسوم الجمركية، بل بناء منظومة تنسيق حقيقية بين السياسة النقدية والتجارية، تشارك فيها وزارة الخزانة، ومكتب الممثل التجاري، والبنك المركزي، إلى جانب القطاع الخاص، لضمان عدم تضارب الأهداف وتناقض المسارات.
الكلمة الأخيرة: الحذر واجب
في الوقت الذي تنشغل فيه الأسواق بتحليل مؤشرات التضخم وأسعار الفائدة، ربما آن الأوان لتُرفع درجة الانتباه إلى السياسات التجارية باعتبارها مكونًا أساسيًا في مستقبل الاقتصاد العالمي.
فالخطر لا يأتي فقط من ضعف النمو أو ارتفاع الأسعار، بل من السياسات التي قد تُبنى على حساب الحقيقة الاقتصادية، وتغفل عن أن التجارة، في جوهرها، ليست ساحة معركة بل وسيلة لبناء مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا.