غير مصنف

الذهب في 2025.. رحلة العرش المفقود وصراع القوة مع الدولار والفائدة

عام بدأ بلمعان الذهب وانتهى بضباب الدولار

في مطلع عام 2025، كانت الأعين كلها تتجه إلى المعدن الأصفر.
عناوين الصحف، نشرات الأخبار، وموجزات الأسواق كانت تزف خبراً تلو آخر عن “قفزات تاريخية في سعر الذهب”، حتى تجاوز في الربع الأول حاجز 4300 دولار للأوقية، محققًا ارتفاعًا فاق كل التوقعات.
غير أن التاريخ لا يحتفظ ببريق الذهب طويلًا دون اختبار، وسرعان ما بدأت علامات التعب تظهر على العرش المعدني.

اليوم، وبينما يقف سعر الذهب عند 3996 دولارًا للأوقية، يعود السؤال الأزلي إلى الواجهة:
هل خسر الذهب معركته أمام الدولار الأمريكي؟
أم أن ما يحدث مجرد استراحة محارب قبل جولة جديدة من الصعود؟

الذهب بين المجد والهبوط.. قصة لا تنتهي

منذ آلاف السنين، لم يكن الذهب مجرد معدن، بل رمزًا للثقة والأمان. في الحروب والأزمات والانهيارات الاقتصادية، كان المستثمرون يهربون إليه كما يهرب الغريق إلى قارب النجاة.
لكن في زمن تتغير فيه معادلات الاقتصاد كل أسبوع، لم يعد الذهب وحده القادر على حفظ الثروة من عواصف الأسواق.

في 2025، تغير المشهد.
لم يعد الذهب ذلك “الملاذ الآمن” الذي لا يُمس، بل أصبح جزءًا من لعبة أكبر — لعبة الفائدة والدولار.

الدولار الأمريكي.. الخصم الذي لا يشيخ

عودة العملة الخضراء إلى الواجهة

بينما كان الذهب يتلألأ فوق القمم في بداية العام، كانت العملة الأمريكية تتأهب في صمت.
مع كل اجتماع لمجلس الاحتياطي الفدرالي (البنك المركزي الأمريكي)، كانت الأسواق تترقب الإشارات: هل سيخفض الفائدة مجددًا؟ أم سيكبح جماحها ليحافظ على قوة الدولار؟

وفي منتصف العام، حدث ما لم يكن في الحسبان.
تصريحات رئيس الفدرالي، جيروم باول، قلبت الموازين.
قال الرجل بوضوح: “خفض الفائدة مرة أخرى في 2025 ليس أمرًا مفروغًا منه.”
تلك الجملة وحدها كانت كفيلة بتبريد حرارة الذهب وإشعال فتيل صعود الدولار.

كيف تترجم الأسواق الكلمات إلى أرقام؟

عندما يتحدث الفدرالي، لا يسمع المستثمرون كلمات، بل أوامر مالية.
وبمجرد أن لمحوا ترددًا في خفض الفائدة، قفز الدولار إلى أعلى مستوياته في أكثر من ثلاثة أشهر.
أما الذهب، فقد بدأ رحلة الانحدار البطيء — من 4381 دولارًا إلى ما دون 4000.

معادلة الذهب والدولار: لعبة شد الحبل

العلاقة بين سعر الذهب والدولار الأمريكي علاقة عكسية كلاسيكية، لكنها في 2025 أخذت بعدًا أكثر درامية.
فالذهب، الذي لا يدرّ عائدًا، يعتمد على انخفاض الفائدة ليبدو مغريًا.
أما الدولار، فيتغذى على ارتفاع الفائدة ليزداد بريقًا في أعين المستثمرين الباحثين عن عائد آمن.

في هذا الصراع، كان الذهب مثل عدّاء يلهث في سباقٍ لا يُسمح له بالتوقف، بينما الدولار يسير بخطوات ثابتة خلف دعمٍ مؤسسي ضخم من سياسات الاحتياطي الفدرالي.

الفائدة الأمريكية.. الإبرة التي تحرك البوصلة

بين الخفض والتثبيت

خفض الفائدة لمرة ثانية هذا العام لم يكن كافيًا لإقناع الأسواق بأن موجة التيسير النقدي ستستمر.
بل على العكس، تصريحات باول فتحت الباب أمام موجة من الشكوك ودفعت المتعاملين إلى تقليص رهاناتهم على خفض جديد في ديسمبر/كانون الأول المقبل.

بحسب أداة “فيد ووتش” التابعة لمجموعة CME، تراجعت توقعات خفض الفائدة من أكثر من 90% إلى نحو 65%.
رقم واحد كهذا كفيل بإعادة توزيع مئات المليارات بين أسواق الذهب والسندات والعملات.

أثر ذلك على المستثمرين

المستثمرون الذين راهنوا على استمرار انخفاض الفائدة وجدوا أنفسهم في مأزق.
فكلما صعد الدولار، خسر الذهب جزءًا من بريقه، وتآكلت أرباح من اشتروا في القمم.
بينما كانت المؤسسات المالية الكبرى تتعامل ببرود مع هذه التقلبات، بقي صغار المستثمرين عالقين بين الحلم بالعودة إلى مستويات 4300 دولار والواقع الذي يضغط نحو 3900.

قراءة في أرقام السوق

الذهب في المعاملات الفورية والعقود الآجلة

انخفض الذهب في المعاملات الفورية بنحو 0.12% إلى 3996.23 دولارًا للأوقية،
بينما هبطت العقود الأمريكية الآجلة بنحو 0.13% إلى 4008.70 دولارًا.
قد تبدو النسبة بسيطة، لكنها في عالم المضاربات اليومية تعني ملايين الدولارات من المكاسب والخسائر.

أداء المعادن النفيسة الأخرى

الفضة تراجعت بنسبة 0.2% إلى 47.98 دولارًا،
البلاتين ارتفع قليلًا بنسبة 0.3% إلى 1569.80 دولارًا،
أما البلاديوم فانخفض 1% إلى 1417.44 دولارًا.
تلك التحركات المتباينة تعكس بوضوح أن الأسواق تعيش حالة ترقب أكثر من يقين.

بين واشنطن وبكين.. الهدوء الذي يقتل الذهب

في خضم هذه التقلبات، أطلّ خبر آخر من واشنطن كان كفيلًا بإضعاف الطلب على الذهب أكثر.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن أنه وافق على خفض الرسوم الجمركية على الصين، مقابل تنازلات من جانب بكين.
الأسواق استقبلت ذلك كخبر إيجابي، ليس فقط للتجارة العالمية، بل للدولار نفسه.

فكلما تراجع التوتر بين واشنطن وبكين، تراجع الخوف — ومعه الطلب على الذهب كملاذ آمن.
الذهب لا يعيش في أوقات السلام، بل في ظل الخوف والريبة.
وحين يهدأ العالم، يخسر المعدن الأصفر بعضًا من جمهوره.

هل انتهت أسطورة الذهب الآمن؟

قراءة نفسية للسوق

ما يحدث اليوم ليس نهاية الذهب، بل مرحلة مراجعة.
فالذهب ما زال يحتفظ بمكانته التاريخية كأداة تحوط ضد التضخم وعدم اليقين، لكنه يواجه جيلاً جديدًا من المنافسين: العملات الرقمية، السندات الخضراء، والأسهم الذكية.

المستثمر الحديث لم يعد يشتري الذهب فقط لأنه “آمن”، بل يسأل:
هل هو مربح؟
هل يتفوق على العائد من السندات الأمريكية؟
هل يمكن أن يواكب سرعة التداول الرقمي؟

هذه الأسئلة الجديدة جعلت المعدن الأصفر يبدو وكأنه لاعب تقليدي في ساحة مملوءة بالابتكار المالي.

مشهد ما قبل ديسمبر: ترقب البيانات لا القرار

أهمية بيانات التوظيف

الأنظار تتجه هذا الأسبوع إلى بيانات مؤسسة “إيه دي بي الخاصة بالتوظيف في الولايات المتحدة.
فأي قراءة ضعيفة أو “قاتمة” قد تعيد الحياة إلى الذهب، وتمنح المستثمرين مبررًا للعودة إليه.
أما إذا جاءت الأرقام قوية، فسيبقى الدولار على عرشه، ويواصل الذهب انحداره.

كما قال المحلل تيم ووترر من “كيه سي إم تريد”:

“قوة الدولار تبقى شوكة في خاصرة الذهب.”

عبارة تختصر المشهد بأكمله.

قراءة تحليلية: ما وراء الأرقام

وراء كل تراجع في سعر الذهب قصة أكبر من مجرد سوق ومعروض وطلب.
هي قصة ثقة عالمية تتحول ببطء من المعادن إلى السياسات، ومن البورصات إلى التصريحات.

الذهب لا يسقط لأنه فقد قيمته المادية، بل لأن الاقتصاد الأمريكي ما زال يفرض سطوته على العالم.
طالما بقي الدولار هو عملة التجارة والاحتياطي العالمي، فإن أي محاولة للذهب لاستعادة الهيمنة ستبدو مؤقتة.

الذهب في 2025: بين رهان البنوك ومشاعر الجمهور

البنوك المركزية الكبرى، رغم كل ذلك، ما زالت تشتري الذهب وتحتفظ به كجزء من احتياطاتها.
لكن دوافعها تختلف: فهي تشتريه ليس طمعًا في الربح، بل كـ ضمان استراتيجي ضد المفاجآت.
أما الأفراد، فيشترونه خوفًا من الغد.

الفرق بين الاثنين أن البنوك لا تخاف، بل تخطط.
بينما الجمهور يشتري الذهب كما يشعل شمعة في ليلٍ مظلم، على أمل أن تشرق الأسعار من جديد.

ما الذي ينتظر الذهب في نهاية 2025؟

كل السيناريوهات مفتوحة.
إذا قرر الفدرالي خفض الفائدة مجددًا في ديسمبر، قد نرى الذهب يعاود الارتفاع فوق 4200 دولار.
أما إذا ثبت الفائدة أو لمح إلى رفعها في 2026، فقد يتراجع الذهب إلى ما دون 3800.

لكن الأهم من الأرقام هو المزاج العام للسوق.
ففي عالم اليوم، تتحرك الأسعار ليس فقط بفعل البيانات الاقتصادية، بل بتغريدة، أو تصريح، أو حتى شائعة.

حين يتعب الذهب من اللمعان

قد يظن البعض أن الذهب فقد بريقه، لكنه في الحقيقة يستريح.
فكل دورة اقتصادية تمنح المعدن الأصفر فترة من السكون قبل أن يعود أكثر صلابة.
الدولار يربح اليوم، لكن الزمن لا يعرف رابحًا دائمًا.

منذ قرون، ظل الذهب الشاهد الوحيد على سقوط العملات وصعودها، على حروبٍ انتهت، وأزماتٍ بدأت.
وفي 2025، لا يبدو أنه يعتزل المسرح، بل فقط ينتظر الإشارة ليعود إلى الواجهة من جديد.

فمن يعرف؟
ربما في ربيع 2026 نكتب مقالاً جديدأ بعنوان: الذهب ينتقم من الدولار.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *